صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

259

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

من بني الدّيل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خرّيتا - والخرّيت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهميّ ، وهو على دين كفار قريش ، فأمناه ، فدفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل » « 1 » . وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بمكة ثم أمر بالهجرة فنزل عليه قوله تعالى : وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً « 2 » . وأورد الإمام أحمد في مسنده رواية حسنة تشير إلى أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قد انطلق إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله ، فلبس علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - ثوبه ونام في مكانه ، واخترق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حصار المشركين دون أن يروه ، بعد أن أوصى عليّا بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به فجاء أبو بكر وعلي نائم ، وأبو بكر يحسب أنه نبي اللّه فقال : يا نبي اللّه ، فقال علي : إن نبي اللّه قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه ، قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار ، قال : وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي اللّه وهو يتضوّر ، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح « 3 » . ثم كشف عن رأسه ، فقالوا : إنك للئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر ، وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك « 4 » . أمر أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - عامر بن فهيرة أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ويعينهما على الطريق « 5 » . وحمل أبو بكر . رضي اللّه عنه - ثروته ليضعها تحت تصرف الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم « 6 » . ومكث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والصديق - رضي اللّه عنه - في الغار ثلاث ليال ، تمكن المشركون خلالها من اقتفاء آثارهم إلى الغار ، وقد بكى الصديق خوفا على سلامة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يرى أقدامهم عند فم الغار وقال : « يا نبي اللّه : لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا » « 7 » . فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « أسكت يا أبا بكر اثنان اللّه ثالثهما » « 8 » . وإلى هذا اليقين والتوكل الكامل تشير الآية الكريمة : ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا « 9 » .

--> ( 1 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 231 - 232 ( حديث 3905 ) . وقد أورد البخاري في صحيحه ( الفتح 7 / 389 ) رواية صحيحة أخرى تذكر إن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأبا بكر - رضي اللّه عنه - ركبا فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور . ( 2 ) أحمد المسند 3 / 291 ، الترمذي - السنن 8 / 291 ، ابن كثير التفسير 5 / 223 ، الطبري - التفسير 15 / 148 - سورة الإسراء - آية 80 . ( 3 ) أحمد - المسند 1 / 25 - 26 ، 84 ، وانظر : ابن أبي شيبة - المصنف 14 / 488 - 9 ، النسائي - الخصائص ص / 134 - 135 ، الطبري - تهذيب الآثار 3 / 237 ، الحاكم - المستدوك 3 / 5 ، الخطيب - تاريخ بغداد 13 / 302 . ( 4 ) أحمد - المسند 5 / 26 - 27 ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح ولكن يمكن التوفيق بينهما . ( 5 ) البخاري - الصحيح ( فتح الباري 7 / 231 - 2 حديث 3905 ) . ( 6 ) الحاكم - المستدرك 3 / 5 ، البيهقي - دلائل 2 / 480 ، ابن هشام - السيرة 1 / 488 . ( 7 ) البخاري - الفتح ( الحديث 3922 ) ، أحمد - المسند 1 / 159 . ( 8 ) البخاري - الصحيح ( فتح ، حديث 4663 ، حديث 3922 ) ، مسلم - الصحيح 4 / 1843 بإسناد صحيح ، عروة - مغازي ص / 129 . ( 9 ) القرآن الكريم - سورة التوبة ، الآية / 40 .